اسماعيل بن محمد القونوي
214
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الراغب أنه قال جبيت الماء في الخوض أي جمعته ومن جملته قوله تعالى : يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا [ القصص : 57 ] لكن الاجتباء ليس مطلق الجمع بل الجمع على نهج الاصطفاء واجتباء اللّه تعالى من يشاء من عباده امتيازهم عن من عداهم بالتوفيق وفيض العلم بأدنى سعي وقد جوز المص في قوله : قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها [ الأعراف : 203 ] كونه بمعنى الطلب لأنه قد يكون بمعنى الأخذ والطلب مجاز عنه وهذه الطائفة غير الطائفة المهتدين أعلى منهم رتبة ولذا قال هنا من يشاء ولم يذكر ما يدل على كسب العبد وذكر هناك من ينيب الدال على كسبه وشتان ما بين الفريقين وكلتا الطائفتين هم أهل الدين لم يتفرقوا فيه لكن الفريق الأول في زمرة الصديقين الذين هم الفائزون يشرح اللّه تعالى صدورهم وقذف النور في قلوبهم والفريق الثاني من جملة السالكين الذين يجتهدون في كسب المعارف وتحصيل العلم واللطائف وعن هذا قدم الأول وعبر بالاجتباء وبمن يشاء وعبر في الثاني بالهداية وبالإنابة وأما صاحب الكشاف فنظر إلى أن الكلام في عدم التفرق في الدين فناسب الجمع فقال هم طائفة واحدة على ما فهمه البعض حيث قال وعلى مختار الزمخشري هم طائفة واحدة وكذا ما فهم من كلام صاحب الإرشاد أنهم طائفة واحدة ولكل وجهة لكن ما ذكرناه أولى بالتعبيرين والتغاير الاعتباري وإن كان كافيا في صحة العطف لكن لما كان للتغاير الحقيقي مساغا لا يصار إلى غيره . قوله : ( والضمير لما تدعوهم أو للدين ) والمآل واحد والترديد في العبارة إذ المراد بما تدعوهم الدين وبيانه بالتوحيد لأن التوحيد خلاصة الدين قدم الأول لقربه لفظا ولكون المآل واحدا اقتصر الزمخشري على الثاني بالإرشاد والتوفيق يقبل إليه . قوله تعالى : [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 14 ] وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 14 ) قوله : ( يعني الأمم السالفة ) اختار كون الضمير للأمم السالفة بناء على أنهم بعد الطوفان كانوا أمة واحدة مؤمنين فبعد موت آبائهم اختلف الأبناء حين بعث إليهم أو كانوا باب الجمع والتفريق فإن قوله : أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا [ الشورى : 13 ] معناه الإقامة على الجماعة وترك التفرقة وقوله كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وقوله يجتبي إليه بيان لمن دخل فيها ومن خرج منها فتأويل يجتبي إليه بيجمع إلى الدين اظهر معنى وبيصطفي أدق معزى لأن اصطفاء اللّه أولياءه يدل على اجتماعهم على التوحيد وعدم الاختلاف في أصول الدين قال اللّه تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ [ الزمر : 18 ] فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ كما أن إشراك أعداء اللّه يدل على التعدد والتفرقة لا سيما قد ضم معه كبر ولهذا لما دعوا إلى التوحيد قالوا متعجبين أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ ص : 5 ] وقال تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا [ الزمر : 29 ] وفي إسناد الاجتباء إلى ذاته عز وجل وإسناد كبر إلى ما ندعو إشارة إلى معنى قوله تعالى : وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [ الشعراء : 80 ] وفيه أن أهل السنة والجماعة ممن اجتباه اللّه إلى دينه وهداه إليه .